العتبة الحسينية المقدسة

ممثل المرجعية العليا في أوربا يتحدث عن امام الثائرين والمجاهدين زيد الشهيد، ويشيد بفضله ومقامه العلمي الرفيع

2 صفر 1442هـ

جاء حديثه هذا بمناسبة شهادة زيد بن علي بن زين العابدين (ع) التي كانت في الثالث من شهر صفر 122 هــ، بعد ان ثار في وجه الطاغية المرواني هشام بن عبد الملك الذي كان عهده من أكثر العهود طغيانا واضطهادا، حيث شاع الارهاب بكل انواعه في زمنه وفي مقدمته التصفيات الجسدية لكل القوى المعارضة لحكمه والحكم الاموي فضلاً عن اقصاء التيارات الفكرية المناهضة ونفيهم الى جزيرة دهلك القاحلة والنائية والحارة التي تقع في مدخل البحر الاحمر (والتي كانت تعد مضربا للامثال في البعد)، بالاضافة الى المضايقات الاقتصادية والتجويع للاحرار وخصوصاً الموالين للامام علي واهل بيته (ع).

ولذلك تجمع المصادر التاريخية ان زيد بن علي سلك في البداية طرق سلمية للتغير، منها النصح المباشر للحاكم وللولاة، حيث كان زيد يعي المسؤولية وعياً تاماً ولأجل ذلك قال (فو الله لو علمت ان رضا الله عزوجل عني في ان اقدح نارا بيدي حتى اذا اضطرمت رميت بنفسي فيها لفعلت، ولكن ما اعلم شيئا ارضى لله عز وجل عني من جهاد بني امية)، الا انه لم يجد اذنا صاغية فلجأ الى دعوة الناس للتصدي للظلم ومحاربة الجور، وفضح الاعمال التي يقوم بها الولاة المخالفة لما جاء به الاسلام، وباشر دعوة من يثق بهم الى الثورة فدخل المسجد النبوي فقال لهم: يا قوم أأنتم اضعف من اهل الحرة قالوا :لا. فقال : وانا اشهد ان يزيد ليس شرا من هشام، فما لكم!)، فلم يمكن له ان يتغاضى اكثر من ذلك عما يشاهده من ظلم يقترف واعمال بعيده عن الاسلام يجاهر بها .

واعلن زيد ثورته على النظام الاموي حتى احصى ديوانه خمسة عشر الف رجل من اهل الكوفة، ولم يفي من هؤلاء الخمسة عشر الفاً الا نحو سبع مائة رجلا، فقد استطاع بنو امية شق صف الثورة من خلال شراء ضمائر الكثير منهم، الا ان ذلك لم يغير من موقف زيد بن علي بل قال (فوالله لو لم يكن الا انا ويحيى ابني لخرجت عليه وجاهدته حتى افنى).

وتقدم زيد بن علي الى المعركة مع قلة أنصاره، وكثرة اعدائه الذين كان يأتيهم المدد باستمرار ، وقتال زيد مع ثلة من مواليه حتى بانت بشائر النصر في بداية المعركة، الا ان داود بن سليمان انهى المعركة بمصرع الحق اثر اصابتهِ بسهم في جبينه ففارق الدنيا وفاضت روحه الزكية واخمدت تلك الانوار التي اضاءت في سماء الشرق لتنير العقول وتهذب النفوس وتقيم منار العدالة وتقضي على الظلم والطغيان، فكفن في ثيابه ودفن في جوف الليل، لكن الاعداء عرفوا موضع دفنه فجاؤوا واخرجوه وبأمر من هشام صلبوه منكوسا حتى عشعشت الفاختة في جوفه (تنعاه الى جده رسول الله (ص)) ثم انزلو واحرقوا جسد وذروه رمادا (خشية ان يعود زيد ليحاربهم)، وله اليوم مزار مشيد في منطقة الكفل على يمن السائر من النجف الى الحلة . واليه تنسب الزيدية وهي من اكبر فرق الشيعة في اليمن .

هذا ولا ننسى ما لزيد من المقام العلمي الرفيع، فقد كان رضوان الله عليه عالما، واسع الثقافة، عميق المعرفة، حسن الجدال، قوي الحجة، يناظر العلماء فيفوقهم علما وقدرة على الاقناع.

قال خالد بن صفوان: انتهت الفصاحة والخطابة والزهادة والعبادة من بني هاشم الى زيد بن علي، لقد شهدته عند هشام بن عبد الملك وهو يخاطبه وقد تظايق به مجلسه فقال له هشام: ان الله لا يجمع النبوة والملك لاحد، فقال له زيد: ما هذا؟ قال الله تبارك وتعالى ((ام يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد أتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة واتيناهم ملكا عظيما)) فافحم هشام ولم يحر جوابا.

ومن مواقفه خطبه وقوة حضوره، فهو يعد من فصحاء المتكلمين، وكان جريئا في قول الحق لا يتهيب من احد ولا يخاف لومة لائم، من ذلك خبره مع هشام بن عبد الملك أن هشاما دخل عليه زيد بن علي وقد أذن للناس إذناً عاماً فحجب زيداً، ثمّ أذن له في آخر الناس، فدخل فلم يجد له موضعاً يقعد فيه، فعلم أن ذلك فعل به على عمد، فأقبل على هشام وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فلم يرد عليه، فقال: السلام عليك يا أحول !، إذ لم تر نفسك أهلاً لهذا الاسم، فقال له هشام: أنت الطامع في الخلافة وأمّك أمة؟، فقال: إنّ لكلامك جواباً، قال: وما جوابك؟، قال: لو كان في أمّ الولد تقصير لما بعث الله إسماعيل نبياً وأمّه هاجر !، فالخلافة أعظم أم النبوة ؟، فأفحم هشام، فلما خرج قال لجلسائه: أنتم القائلون إنّ رجالات (بني) هاشم هلكت، والله ما هلك قوم هذا منهم، فردّه وقال: ارفع إليّ حوائجك، فقال: أمّا وأنت الناظر في أمور المسلمين فلا حاجة لي، ثمّ قام فخرج، فأتبعه رسولاً، وقال: اسمع ما يقول، فتبعه فسمعه يقول: من أحبّ الحياة ذل، وماكره قوم حر السيوف إلا ذلوا.

والجدير بالذكر ان ثورة زيد الشهيد نالت رضا الائمة وترحموا عليه، وفي هذا المسار قال بعض الكتاب ما نصه (هو أحد أباة الضيم، ومن مقدمي علماء أهل البيت عليهم السلام، قد اكتنفته الفضائل من شتى جوانبه، علم متدفق، وورع موصوف، وبسالة معلومة، وشدة في البأس، وشمم يضع له كل جامع، وإباء يكسح عنه أي ضيم، كل ذلك موصول بشرف نبوي ومجد علوي وسؤدد فاطمي وروح حسيني).

والشيعة على بكرة أبيها لا تقول فيه إلاّ بالقداسة، وترى من واجبها تبرير كل عمل له من جهاد ناجع، ونهضة كريمة، ودعوة إلى الرضا من آل محمد تشهد لذلك كله أحاديث أسندوها إلى النبي صلى الله عليه وآله وأئمتهم عليهم السلام، ونصوص علمائهم، ومدايح شعرائهم وتأبينهم له، وإفراد مؤلفيهم أخباره بالتدوين.

أما الأحاديث فمنها قول رسول الله (ص) للحسين السبط (ع) (يخرج من صلبك رجل يقال له: زيد يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس يدخلون الجنة بغير حساب) وقوله (ص) فيه: (إنه يخرج ويقتل بالكوفة ويصلب بالكناسة يخـرج مـن قبره نبشا، وتفتح لروحـه أبـواب السـماء، وتبتهج بـه أهـل السـموات والأرض).

وقول أمير المؤمنين عليه السلام وقد وقف على موضع صلبه بالكوفة فبكى وبكى أصحابه فقالوا له: ما الذي أبكاك؟! قال:(إن رجلا من ولدي يصلب في هذا الوضع، من رضي أن ينظر إلى عورته أكبه الله على وجهه في النار).

وقول الصادق عليه السلام: إنه كان مؤمنا، وكان عارفا، وكان عالما، وكان صدوقا، أما إنه لو ظفر لوفى، أما إنه لو ملك لعرف كيف يصنعها.

وقال (ع) عندما سمع قتله (إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله احتسب عمي إنه كان نعم العم، إن عمي كان رجلا لدنيانا وآخرتنا، مضى والله عمي شهيدا كشهداء استشهدوا مع رسول الله وعلي والحسين مضى والله شهيدا).

وللعلماء نصوص لا يسع المقام ذكرها، ومن يريد التوسعة والاطلاع فليرجع الى من كتب عنه (رض) مستقلا، كالسيد المقرم والسيد محسن الامين العالمي والشيخ محمد ابو زهرة المصري وابراهيم بن سعيد بن هلال الثقفي ومحمد بن زكريا والحافظ احمد بن عقدة وغيرهم .

أما من الشعر فكان له النصيب الكبير من فطاحل الشعراء، منه ما رثاه به الشيخ الكواز في قصيدته العصماء والتي جاء فيها:

وزيداً وكان الاباء سجيةُ            لابائه الغر الكرام الاطايب

كأن عليه القي الشبح الذي            تشكل فيه شبه عيسى لصالبي

فسلام الله عليك يازيد بن علي حين ولدت وعشت ونهضت واستشهدت وحين تبعث حيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *