فقد الأمن الاجتماعي

الأمن هو الشعور بالأمان و السلام و الاطمئنان و السكينة و الطمأنينة ، و ضده عدم الأمن أو اللا أمن وهو الشعور بالخوف و القلق و الرعب ، وحالة من الخشية و الفزع تسيطر على الأفراد و المجموعات الاجتماعية ، و حالة الفوضى والاضطراب التي تسيطر على عموم المجتمع ، و مثالها الأفراد و المجتمعات التي تسيطر عليها الأنظمة الطاغوتية عموما أو المجموعات المسلحة العنفية حينما تسيطر على أجزاء من المناطق في الدول المضطربة ، فلا يأمن الناس على أرواحهم و دينهم و لا ممتلكاتهم و أموالهم و أعراضهم ، و إذا ما ناموا لا يقين لهم بطلوع الفجر عليهم رهبة و خوفا من تلك الأنظمة و المجموعات العنفية.

و على ضوء ما ذكرناه سلفا في البحوث فإن المجتمعات التي تنعدم فيها الأمن تتقلص فيها العدالة و الإنصاف ، و تتسم بالظلم و الجور ، و يتجرأ فيها الناس على كسر القوانين و انتهاك الأحكام، و يقل فيها الالتزام بالقيّم الإنسانية ، و يضطرب فيها الاقتصاد و السوق.

 

يعيش الناس في الدول التي تحكمها أنظمة طاغوتية استبدادية في حالة خوف دائم مستمر لا يأمنون فيها على أنفسهم ، بحيث يتوقع أن يؤخذ أحدهم بالتهمة و الظنة أو لخلاف شخصي بينه وبين أحد الذين لهم علاقة بالسلطة فيتحول إلى خلاف مع السلطة نفسها، و يتعرض فيها أناس بسبب آرائهم إلى سجناء محكومين أو غير محكومين لسنوات طويلة، ينام الناس و لا يعلمون أنّهم سيستيقضون في بيوتهم أم لا يطلع عليهم الفجر و هم فيها.

 

و يكون الناس في مجتمعات المستبدين محكومة بأنظمة و قوانين طاغوتية تصدر بقدر قياس الحاكم و أتباعه، و تقييم الناس على أسس ولاء الناس للحاكم و تملقهم له و نفاقهم إليه لا إلى المؤهلات و الكفاءات و القدرات، و كذا المؤسسات و المجالس الوطنية تكون على قدر الحاكم و مزيّفة للخداع.

ويموت الابداع بين الناس و تكثر قي المجتمع الشكوك و الارتيابات و الأوهام ، و إذا ما استمر الخوف و القلق لفترة طويلة فإنّه يؤثر على ثقافة المجتمع ويدمره دون حروب.

وقد يتعمد الحاكم أو الحكام بث الرعب و الخوف في المجتمع للسيطرة عليه و كتم أنفاسه و إخماد أي روح احتجاجية، و حتى إذا كان المجتمع مسالما يقوم بعض المتسلطين بحرب استباقية لرعب المجتمع و تخويفه و إرهابه، و هذا الفكر المتطرف قديم بقدم التاريخ يتجدد في أوقات ضعف الأمة و خمولها و يبرز كلما سنحت له الفرصة ، على مستوى الدول و المجموعات و الأفراد، و ليس لهم أمان و لا عهود و لا مواثيق، و كمثال قديم يحدثنا التاريخ مثلا عن حادثة وقعت بالموصل حين استولت الدولة العباسية على مقاليد الحكم ، فقد استعمل السفاح أخاه يحيى بن محمد على الموصل وذلك في سنة 132 فأمنهم ونادى : «من دخل الجامع فهو آمن» . وأقام الرجال على أبواب الجامع فقتلوا الناس قتلا ذريعا . قيل : إنه قتل فيه أحد عشر ألفا ممن له خاتم ، وخلقا كثيرا ممن ليس له خاتم ، وأمر بقتل النساء والصبيان ثلاثة أيام([1]). و جمع الزنج وهم جنود أحد قواته وشركاؤه في جوره وعددهم أربعة آلاف شخص للعطاء فاجتمعوا فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم([2]).

هذا الحاكم و أمثاله قديما و حديثا يدّعون اعتقادهم بدين الاسلام الذي اشتق من السلام ، و يسلمون على بعضهم باليوم عشرات المرات بذكر السلام فيقولون (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) ، و ربما يصّلون ويختمون الصلاة بالسلام و لكنهم عمليا يعملون على خلاف قيّم السلام و الاسلام بل خلاف القيّم الإنسانية.

هذا مشهد من تاريخنا و لكن لا يعني أنّ تواريخ الأمم الأخرى ناصعة أبدا ففيها كوارث ومصائب وحروب يندي لها جبين الإنسانية أيضا.

اللهمّ منّ علينا جميعا بالأمن و الأمان و السلام و وفقنا لمرضاتك يا ربّ العالمين.

محمد جواد الدمستاني

[1]  – الكامل في التاريخ ، كتاب الكامل في التاريخ، ابن الأثير ج5 ص443

[2]  – الكامل في التاريخ ، كتاب الكامل في التاريخ، ابن الأثير ج5 ص444

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *