سبل إلى الأمن الاجتماعي

كما أنّ الأمن عبارة عن منظومة اجتماعية كاملة يتحقق حين يتمسك المجتمع بمجموعة من القيّم و الأخلاق و القوانين هو كذلك على مستوى فردي لأنّ تلك القيّم و القوانين تبدأ بالفرد الواحد حيث يشكل تكاثره المجتمع ، و في الروايات إشارات لسبل الأمن على المستوى الفردي. منها :

 ذكر الله أمان

ذكر الله تعالى و المداومة عليه و الخشية منه و الرغبة في ثوابه و تجنب عقابه و قياس الأعمال برضاه سبحانه و تعالى فما وافق رضاه يُعمل به و ما خالفه يُجتب عنه ، و قياسها بالمنفعة الأخروية فيعمل منها ما يوافقها و يجتب عما يخالفها ، فذكر الله و الآخرة أكبر رادع للإنسان المؤمن لارتكاب المخالفات و الجرائم ، و بذكره تطمئن القلوب و تهدأ النفوس مما يكون له أثر كبير على الفرد و بالتالي على المجتمع، قال تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّـهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» سورة الرعد/28 ، وفي مناجاة الذاكرين للإمام زين العابدين (عليه السلام) :« فلا تطمئن القلوب إلا بذكراك و لا تسكن النفوس إلا عند رؤياك»[1].

و من صفات المتقين التي ذكرها القرآن في أوله : «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ  وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ  أُولَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»([2]).

و روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قوله : أمان لأمتي من الهم : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه)([3]) .

المحاسبة النفسية

و على المستوى الفردي يحتاج الانسان أيضا لمراجعة يومية و محاسبة للنفس فورية ، وقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام ) إلى العلاقة بين المحاسبة و الأمن النفسي ، فروي عنه (ع): «من تعاهد نفسه بالمحاسبة أمن فيها المداهنة»([4]) . أي أمن من الخداع و الغش و اظهار خلاف ما يضمر.

و لأهمية المحاسبة ذكرها رسول الله (ص) كشرط للإيمان ، فقد روي عن رسول الله نفي صفة الإيمان للشخص دون المحاسبة ، بل و التشديد بالمحاسبة ، ففي الروايه عنه (صلى الله عليه وآله) : «لا يكون العبد مؤمنا حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه»([5]).

و بعد المحاسبة و المراجعة يبتعد المؤمن عمّا ارتكبه من أخطاء و يحاول تصحيحها ، و يثبت الجانب الإيجابي و يستمر عليه و يحسنه ويستزيد منه، و في الرواية عن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : «ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم ، فإن عمل خيرا استزاد الله منه وحمد الله عليه ، وإن عمل شيئا شرا استغفر الله وتاب إليه»([6]).فهذه المحاسبة و المراجعة و محاولة تطوير و تحسين السلوك الشخصي تؤدي إلى حالة من الأخلاق يبتعد معها الإنسان من حضيرة الشرور إلى الخير و الأمن.

و تشمل المحاسبة المطعم و المشرب و الملبس و الحلال و الحرام  و شؤون الحياة المختلفة ، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه ، فيعلم من أين مطعمه ؟ ومن أين مشربه ؟ ومن أين ملبسه ؟ أمن حل ذلك أم من حرام؟»([7]).

الخوف سبب للأمن

و في عدة روايات قرنت بين الخوف و الأمن و أنّ الخوف من مسببات الأمن ، و الخوف يتصور بالخشية من الله و الاعتقاد بالآخرة و الحساب و الكتاب فيرتدع الانسان عن موبقات و جرائم في هذه الدنيا خشية و خوفا من العقاب الأخروي.

و أحيانا الخشية من العقاب الدنيوي فالخوف من الوقوع في السجون و المحاكمات أو الانتقامات. و كذا الخشية من الفضيحة تمنع من يشعر بها عن ارتكاب بعض الأعمال.

أو الخوف النفسي الداخلي أو الأولي و هو ما يقابل الجرأة و التهور  حيث يمنع من يتصف به من القيام ببعض الأعمال ، و في نهج البلاغة قال أمير المؤمنين عليه السلام (ومن خاف أمن))([8]) ، و قال (عليه السلام): (الخوف أمان)([9]).

قال الإمام علي (عليه السلام) : خف الله خوف من شغل بالفكر قلبه ، فإن الخوف مظنة الأمن وسجن النفس عن المعاصي( [10]).

محمد جواد الدمستاني

[1] – الصحيفة السجادية ، مناجاة الذاكرين.

[2]  – سورة البقرة ، الآيات 5،4،3

[3] – ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 1 – ص 613

[4] – ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 1 – ص 620

[5] – ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 1 – ص 619

[6] – الاختصاص ، ص 26 ،  ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 1 – ص 619

[7] – مكارم الأخلاق ج2 ص 375 ، ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 1 – ص 620

[8]  – نهج البلاغة : الحكمة 208

[9] – ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 1 – ص 830 ، عيون الحكم والمواعظ – علي بن محمد الليثي الواسطي – ص 35

[10] – ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 1 – ص 828 ، ( 13 ) غرر الحكم : 1987 ، 9913 ، 5058 ، 8036 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *