الالتزام بالقيّم الإنسانية و الأمن

 

الالتزام بالقيّم الإنسانية و الأمن

 محمد جواد الدمستاني

 أحد أهم أسباب الأمن و الاستقرار في المجتمعات هو الالتزام و التقيّد بالقيّم الإنسانية عامة سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعات و المؤسسات ، و كلما تقيّدت المجتمعات بالقيّم و القوانين ازداد مستوى و درجة الأمن فيها ، و كلما نبع هذا التقيد بعقيدة يؤمن بها الإنسان و يخشى من عقوبة مخالفتها دينيا ارتفع منسوب الأمن ، و لهذا يقال انّ الجرائم و الجنايات في الدول الاسلامية تقل بصورة كبيرة جدا في شهر رمضان المبارك حيث يصوم المسلمون، و هنا الفارق يتضح بين الرقابة الذاتية و القانونية فبينما تقل الجرائم في شهر رمضان رعاية للصيام بوازع ديني و رقابة ذاتية يقابلها ازدياد الجرائم و السرقات و عمليات النهب و السلب في مدينة نيويورك الأمريكية لانقطاع الكهرباء لدقائق معدودة كان الامتناع عنها بدافع دنيوي!.

 

و قد جاء الدين الاسلامي بالقيّم و رغّب في العمل بها و التهديد بمخالفتها ، و كلّف بها بنظام كامل شامل ، و في القرآن الكريم و السنة الشريفة عدد كبير من الآيات و الروايات شواهد لذلك لو التزم بها المسلمون لتحقق الأمن الاجتماعي.

و منها التعاليم القرآنية كما في سورة البقرة قال تعالى : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّـهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ )([1]).

إنّ أحد الكوارث الكبرى التي تبتلي بها المجتمعات قديما و حديثا هي سفك الدماء و التهجير على مستوى نزاعات الدول و كذا النزاعات الداخلية في الدولة الواحدة او الإقليم الواحد ، و كذا فقدان الرحمة بين الناس.

 

و هكذا في سورة الإسراء مجموعة من التعاليم الاجتماعية ، قال تعالى :

(وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا …، وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا … ، وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا … وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ،  وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ، وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴿٣٤﴾ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴿٣٥﴾ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ).

 

و كذلك عموم التعاليم و الآداب الاجتماعية التي وردت في القرآن و السنة تؤدي على المحافظة على الأمن الاجتماعي حين الالتزام بها كالنهي عن السخرية و اللمز والتنابز بالألقاب وسوء الظن والتجسس و الغيبة ، قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ  يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا»([2]).

 

و في الروايات الإشارة إلى قيم أخلاقية إنسانية مهمة للأمن ، مثل الحلم ، وهي الصفح و تحكيم العقل و التأني و السكون عند الغضب أو حصول مكروه مع القدرة ردة الفعل ، قال الإمام علي (عليه السلام) : «السلم ثمرة الحلم»([3]) ، وقال (عليه السلام) : «الحلم علة السلم»([4]) .

و كذلك الرفق ، أي المعاملة باللين ، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الرفق يؤدي إلى السلم»([5]).

 

و هذه التعاليم ينبغي ان تؤخذ من مصادرها ومراجعها الصحيحة بالالتزام بالدين الصحيح بمنهج أهل بيت النبوة و الرسالة صلوات الله و سلامه عليهم فهم معدن الرحمة، و لذا نرى في أيامنا هذه كما كانت في قرون خلت أعدادا و جماعات من الذي تدّعي سلوك منهجية الدين و لكنها منحرفة عن أهل البيت عليهم السلام قد ارتكبت الفضائع و الشنائع و الجرائم باسم الدين أو استغلالا له ! و لذا بيّن رسول الله  لأمته الطريق الصحيح لمنابع الدين و مراجعه حيث قال (صلى الله عليه وآله): « إنّ النجوم في السماء أمان من الغرق ، وأهل بيتي أمان لامتي من الضلالة في أديانهم»( [6]) .

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «أنا وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، كما أن النجوم أمان لأهل السماء» ([7]).

و قال ( عليه السلام ) : « إن مثلنا فيكم كمثل الكهف لأصحاب الكهف وكباب حطة ، وهو باب السلم فادخلوا في السلم كافة»([8]).     

[1] – القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآيتين 83 ،84

[2]  – سورة الحجرات ، الايتين 11 و 12

[3] – ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 1 – ص 687

[4] – ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 1 – ص 687

[5] – ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 2 – ص 1104

[6] – ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 4 – ص 2841 ، البحار : 23 / 123 / 47 .

[7] – ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 1 – ص 575

[8] – ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 4 – ص 2821 ، الغيبة للنعماني : 44 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *