ممثل المرجعية العليا في أوربا في مؤتمر الإمام الصادق عليه السلام

ممثل المرجعية العليا في اوربا يعزي العالم الاسلام بشهادة الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) ويقول:
• آن الاوان للرجوع الى تراث الامام الصادق (ع) لما يحمله من عطاء وثروة فكرية ضخمة تحتل الطليعة في الافق الثقافي المعاصر، بأقتناص الاسس التربوية لبناء الاسرة الايمانية، وصقل الشخصية الروحية، وعلاج الاوبئة النفسية والانحدار الروحي المريع.
• على المعنيين بتربية اجيال المسلمين من علماء وخطباء ومبلغين ومثقفين ومؤسسات تربوية وثقافية واعلامية ان يعرّفوا الاجيال معالم مدرسة الامام الصادق (ع).
• يجب التصدي للمخططات الرهيبة والمحاولات الجادة التي تدعو لطمس الاسلام المحمدي ومسخ شخصية الشباب المسلم.
1 ذي القعدة 1439هـ

جاء ذلك في كلمته التي القاها في حفل افتتاح المؤتمر التاسع لذكرى شهادة الامام الصادق (ع) المنعقد في مدينة أسن الالمانية، والتي نصّها:

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين
تمر علينا ذكرى شهادة الامام الصادق (ع) والواقع الاسلامي يعيش منعطفات فكرية خطيرة وازمات اجتماعية رهيبة وانهيارا مخيفا في القاعدة الجماهيرية الدينية مما يفرض على رجال الفكر والاقلام ذات العطاء الفكري الثري والنخب المثقفة من رجال الدين وغيرهم ان يستثمروا مثل هذه الذكرى في مواجهة التحديات الثقافية والاجتماعية ونشر الفكر الاسلامي الاصيل من خلال تراث اهل البيت (ع) خصوصا الثروة الروائية التي وصلت لنا عن الامام جعفر الصادق (ع) وذلك في عدة حقول ومستويات متنوعة :

1- الحقل الفلسفي: حيث برزت في العصر الحاضر تيارات الحادية ولا دينية ولا ادرية تطعن في اسس الدين والالوهية، كما نشأت في المحيط الثقافي الاسلامي اقلام عديدة تتبنى الفلسفة الغربية المقارنة بين الاديان التي تطرح نظرية الحقيقة النسبية مما يؤدي الى تصحيح جميع الاديان والمذاهب دون استثناء واعتبار الوحي لونا من النبوغ البشري والتكامل الروحي مما يستدعي الرجوع لما اسسته مدرسة الامام الصادق (ع) من قواعد في علم الكلام وما افرزته حوارته الكلامية ومناظراته الفلسفية في الالوهية والدين مع ابي شاكر الديصاني وابن ابي العوجاء وغيرهم.

2- الحقل التاريخي: فقد ظهرت في الاونة الاخيرة مجموعة من المقالات والبحوث تصب في حصر عطاء اهل البيت (ع) وتراثهم في المجال الفقهي وعزلهم عن المنظومة الفكرية والثقافية الانسانية واعتبارهم مجرد فقهاء ابرار والتغافل عما ثبت في نصوص مختلف المؤرخين من التراث العلمي لهم على مستوى علم الكيمياء والقواعد الاولية في علم الطب والحقائق الناصعة في مجال علم النفس وعلم الاجتماع، وهذا ما يدعونا لترسيخ تراث الامام الصادق (ع) في هذه المجالات الحيوية من اجل تأكيد التاريخ العلمي المضيء لاهل بيت العصمة (ع).

3- الحقل الفقهي: قد طفى على السطح في الاونة الاخيرة بعض الدعوات الى احياء نظرية مقاصد الشريعية والمصالح المرسلة والاقيسة والاستحسان وسد الذرائع على صعيد الفقه الامامي بدعوى عدم وفاء مخرجات الفقه الامامي بالحاجات المستجدة للامة الاسلامية، بينما لو رجعنا للتراث الفقهي للامام الصادق (ع) من خلال حواراته لامام المذهب الحنفي ابي حنيفة وغيره من اعلام المذاهب الاسلامية الاخرى الذين انتهجوا الادلة الظنية في تحديد المواقف الشرعية لرأينا زخما من العطاء ونورا من البصيرة الذي يوضح للامة الاسلامية ان لا مجال في تحديد المخرجات والاحكام الشرعية الا بالبناء على الادلة القطعية والحجج الشرعية الواضحة.

4- الحقل الاجتماعي: قد ابتليت الامة الاسلامية في الفترة المعاصرة باصوات ناشزة تتبنى اثارت النعرات المذهبية وتأجيج الحروب الطائفية وترسيخ حالة العداء بين ابناء الدين الواحد ونبش المرويات الضعيفة التي تستغل من اجل اثارة الزوبعة وقدح نار الشحناء والبغضاء بين اجزاء الجسم الاسلامي الواحد بذرائع مختلفة مما يقتضي منا الاستنارة بالوصايا الصادقية التي اكد الامام جعفر الصادق (ع) فيها على درب الوحدة بين المسلمين واجواء التألف والتقارب بين الاخوة والانفس كما في تعبير المرجعية العليا وقراءة النصوص التي عنيب بغرس المحبة ورعاية شجرة الاسلام بمختلف مذاهبها وفرقها.

5- الحقل التربوي: ان من المعلوم لدينا جميعا انتشار الامراض النفسية وشيوعها كلما تقدمت الحضارة التكنلوجية وكلما ازدهرت الثقافة المادية تكاثرت الاوبئة الخلقية واستفحلت المشاكل التربوية والاسرية وكأن بين التفوق المادي والانحدار الروحي والتربوي تناسبا وتلازما بحيث لم تجدي كثير من بحوث علم الاجتماع ونظريات الطب النفسي وتوصيات علماء التربية في معالجة هذه الامراض المختلفة.

لذلك آن الاوان للرجوع الى تراث اهل البيت (ع) وفي طليعته تراث الامام الصادق (ع) لاقتناص الاسس التربوية لبناء الاسرة الايمانية وصقل الشخصية الروحية وعلاج الاوبئة النفسية والانحدار الروحي المريع، فأن في تراث الامام الصادق (ع) في مختلف الحقول التي عرضناها وغيرها عطاءا وافرا، وثروة فكرية ضخمة تحتل الطليعة في الافق الثقافي المعاصر لو قمنا ببلورتها ونشرها. وهذا المؤتمر تجسيد لهذه المحاولة وهي محاولة الاستفادة والاستنارة من تراث الامام الصادق (ع). هذا اولا.

وثانيا ما ينبغي التنبيه اليه: على المعنيين بتربية اجيال المسلمين من علماء وخطباء ومبلغين واساتذة ومثقفين ومؤسسات تربوية وثقافية واعلامية ان يعرّفوا الاجيال على معالم مدرسة الامام جعفر بن محمد الصادق (ع)، لانهم اذا لم يطلعوا عليها فكانهم لم يعرفوا على الاسلام الاصيل ولم يفهموه فهما واقعيا، لانها هي القناة الحقيقية التي تربطنا بالقران وبالاسلام الاصيل مباشرة، لقوله تعالى ((فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ))، لان الائمة هم المجسدون للاسلام تجسيدا حقيقيا وواقعيا، ويرفدوننا من منابعه النقية الصافية المرتبطة بالوحي عن طريق النبي (ص).

ووال أُناساً نقلهم وحديثهـــم            روى جـدنا عن جبرائيل عن الباري

ولهذا فاي محاولة لتجاهل هذه الرموز في ذهنية اجيال الامة هي محاولة لطمس الاسلام نفسه، ومسخ هذه الاجيال، وهذا ما نراه اليوم يحصل من خلال مخططين خطيرين رهيبين :

المخطط الاول: تجهيل هذه الاجيال بالشخصيات الاصيلة والحقيقية والتعتيم على الشخصيات الرائدة في تاريخ الاسلام وتاريخ الرسالة، وهذ التعتيم والتجهيل انما هو محاولة لمسخ هذه الاجيال ومحاولة لاقتلاعها وفصلها عن المنابع الاسلامية الحقيقية.

المخطط الثاني: تطبيع هذه الاجيال على تقديس العناصر الدخيلة والمنافقة والمزيفة حتى احصى السيد العسكري في كتابه خمسون ومائة صحابي مختلق، والشيء الخطير في هذا العصر ان المؤسسات الاعلامية والثقافية والتربوية في بلاد المسلمين تحاول ان تربي اجيال المسلمين على تقديس هذه الذوات الوافدة من هنا وهناك، ورجال الشرق والغرب والمغنين والمغنيات والاقزام في تاريخ البشرية، بينما الشخصيات الحقيقية من اهل البيت (ع) غائبة عن ذهنيات ووعي هذا الجيل، فترى الاعلام والصحافة والمناهج المدرسية ووسائل الاعلام المرئية والمسموعة لا تتعرض لائمة اهل البيت (ع) واتباعهم، حتى لا يتربى الجيل على معرفة جهادهم وتضحياتهم من اجل الرسالة.

وهذا مخطط رهيب لمسخ شباب الامة واقصائها عن مسيرتها الحقيقة التي رسمها لها النبي (ص) والائمة (ع) بقوله (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك) وقوله (مثل أهل بيتي في أمتي مثل النجوم كلما أفل نجم طلع نجم). وقول الامام الباقر (ع) لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة (شرقا وغربا لن تجدا علما صحيحا إلا شيئا يخرج من عندنا أهل البيت) وعنه (ع) (أما إنه ليس عند أحد علم ولاحق ولافتيا إلا شئ أخذ عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، وعنا أهل البيت ، وما من قضاء يقضى به بحق وصواب إلا بدء ذلك ومفتاحه وسببه وعلمه من علي عليه السلام ومنا).

وما انعقاد هذا المؤتمر الا لتعريف الامة بقمة من القمم الرائدة في الرسالة الاسلامية الا وهو الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) الذي هو من اهل بيت اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وواحد من اولئك النجباء الاصفياء، وقائد من قادة الاسلام والرسالة والامة، ومن المعنين بقوله تعالى ((وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)) ((وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)).

نسأل المولى المتعال أن يأخذ بأيدينا للقيام بإحياء أمرهم وتعلّم محاسن كلامهم وتعليمها للناس ، فإن الناس لو علموا محاسن كلامهم لاتبعوهم كما قال مولانا الإمام الرضا (ع).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *