سماحة العلامة السيد مرتضى الكشميري ينعى أحد أساتذته في الخطابة (الشيخ جعفر الهلالي)

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى في محكم كتابه ( يوم لاينفع مال ولا بنون إلّا من أتى الله بقلب سليم) صدق الله العلى العظيم.

ببالغ الحزن والأسى تلقينا خبر ارتحال أحد أساتذتنا في الخطابة ألا وهو الخطيب البارع والأديب اللامع والشاعر الفحل والمؤلّف الجامع  والباحث المتتبع العلّامة الشيخ جعفر الهلالي فقد وافته المنيّة في ليلة مباركة هي خير عند الله من من ألف شهر ، سلام هي حتى مطلع الفجر،  فسلام على روحه الطاهرة يوم ولد ، و سلام على قلبه السليم يوم بروحه صُعِد، وسلام على نفسه المطمئنة يوم على المصطفى (ص) وآله الأطهار (ع) تَفد .

لقد فقدنا برحيله قامة شامخة و شخصية فذّة في مجالات عديدة يعكسها تراثه الغني الذي تركه ضياءً وقّاداً للأجيال اللاحقة.

فعلى صعيد التأليف قام بتأليف موسوعة كبيرة تحت عنوان ( معجم شعراء الحسين عليه السلام) يقع في مجلدات عديدة طبع منها خمسة وبقي القسم الأكبر وهو في طريقه الى الطبع والنشر. وله كتاب (محاكمات تاريخية) سجّل فيه ما ألفت نظره من مفارقات خلال تتبعه ومطالعته الواسعة لكتب التاريخ والسِيَر.

وعلى صعيد الأدب والشعر فقد ترك المرحوم المغفور له روائع من الأدب الهادف الملتزم الولائي والجهادي والاجتماعي، يحكيها ديوان شعره الذي لازال محجوباً عن  النشر، وقد تكوّن ذلك الديوان من قصائد قالها في مناسبات عديدة ومهرجانات دعي اليها خلال فترة حياته المباركة، فمنها على سبيل المثال المهرجان التاريخي الشهير الذي عقد في ستينيات القرن الماضي بالبصرة، فألقى فيه قصيدة عصماء مطلعها :

يوم الحسين اطل فجرا مشرقا         فاعاد للدنيا الكئيبة رونقا

وفيها يقول :

بالامس قد هتف الرفاق لـ (مركسٍ)   واليوم حزب البعث مجّدَ (عفلقا)

فكلاهما كفرٌ بدين محمدٍ                      وكلاهما بسما الغواية حلّقا

وقصائد أخرى قالها في مناسبات استوقفته لعظمتها أو لجهات ملفتة فيها كقصيدة قالها في وصف ما يعانيه المؤمنون عند زيارة قبرالنبي(ص) وأئمة البقيع (ع) وغير ذلك من الإخوانيات والإجتماعيات وسائر أغراض الشعر الهادف النبيل. كما لاننسى الملحمة العلوية التي نالت حظ الطبع والنشر وهي تربو على ألف بيت تناول فيها فضائل ومناقب الإمام أميرالمؤمنين (ع) مطلعها :

 لك هذا الشعر أردده              وقصيدي هذا  أنشده

وهي مجاراة لقصيدة ( ياليل الصبّ متى غده)

وأما في مجال الخطابة الحسينية فلقد كان فحلاً من فحولها وأسداً من أسودها، فإذا ما اعتلى المنبر تشرئب الأعناق لبهي طلعته و عظيم هيبته و عذوبة لفظه ورصانة بيانه ورزانة منطقه وغزارة معلوماته وشنّف الأسماع بما يثلج الصدور وما يُروي الظماء، ولا نغالي ان قلنا انه كان من فرسان هذه الحلبة ومن أساطين هذا الفن، بل كان مدرسة خطابية تربّى في حجرها عدد ممن أصبحوا فيما بعد من الخطباء المشاهير. وكان ممن أوجد نقلة نوعية في المنبر الحسيني من نمطه القديم المقتصر على السيرة إلى محاضرة توعوية منمّقة متنوعة تبدأ بتفسير القرآن وتمزج معها المواعظ والحكم مروراً بالتاريخ وما كتب فيه من المحدثين المحللين من كتّاب العصر من مثقفي المصريين والمستشرقين والباحثين الأكاديميين وغيرهم  ومقتطفات من الأدب والشعر، وهنا تتجلى بوضوح ثقافته الواسعة و المتنوعة، وبحقّ انه واحد ممّن ساهم في عصرنة المنبر الحسيني و جعله مواكباً للنهضة الثقافية للمستمع والمتلقي.

واختصاراً نترك الحديث عن الجوانب الأخرى في حياته كالجانب الجهادي وماتحمله من مشاق التشريد والهجرة والغربة لعقود من الزمن تحرزاً من الركون إلى الظلمة ومقارعة لحكام الجور ومجابهة لأهل البغي والمفسدين في الأرض.

لقد كانت لنا معه عشرة طويلة امتدت نصف قرن وصداقة متينة ابتدأت بالتلمّذ عليه وقراءَة الرثاء الحسيني مقدّمة لمحاضرته بالنهج الذي كان سائداً في سالف الزمان في إحياء المجالس الحسينية، وطوال هذه الفترة المديدة كان يزداد حبه في قلوبنا وتكبر معزّته في نفوسنا وتعظم شخصيته في أعيننا، وجدناه رجلاً تقيّاً ورعاً لاتأخذه في الله لومة لائم، ألفناه حليماً كريماً صابراً متواضعاً، يعجز اللسان عن وصف مكارم أخلاقه، لايعرف الضغينة والغل والغش  والحقد والحسد والتكبر، زكّاه الله تعالى من رذائل الصفات وجمّله بالمكارم والكمالات، فهو حقّاً  ممّن (أتى الله بقلب سليم).

تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته و رزقة شفاعة النبي(ص) وأهل بيته (ع).

وتعازينا لمؤسسة المنبر الحسيني التي فقدت عميداً من أعمدتها، و لأسرته الكريمة، ولمحبيه، ولتلامذته. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *