العلامة السيد الكشميري يعزي العالم الاسلامي بشهادة النبي المصطفى (ص) : للنبي (ص) خمس صفات و أربعة اوسمة ذكرها له القران

26 صفر 1441هـ

جاء حديث ه هذا في مؤسسة الكوثر في لاهاي الهولندية بمناسبة شهادة النبي (ص) التي تصادف 28 من شهر صفر للسنة العاشرة للهجرة، قائلا: منذ ان فتح النبي محمد (ص) عينه في هذه الدنيا والكتاب يكتبون والباحثون يحللون والمحققون يحققون والخطباء يتحدثون دون توقف وما يزالون يكتشفون المزيد من اسرار عظمة هذه الشخصية التي هي السبب لهذا الوجود (يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك)، اذا فما هي حقيقة النبي (ص) وفق منطق القران حتى لا نسلك مسلك الافراط والمغالات في شخصيته ولئلا نغالي فيه كما غالت اليهود والنصارى في نبي الله موسى وعيسى (ع)، ومن خلال جواب القران تتهرى كل الشبهات والافتراءات التي يثيرها المستشرقون وغيرهم ضده (ص) وتتحطم امالهم وامال الامويين ومن سار على نهجهم في اختلاق الاحاديث والروايات لتشويه هذه الشخصية العظيمة.

1- فالقران يصفه بـ(البشر) وبـ(العبد) لقوله ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)) و((تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً )) و((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ)).

ومن هذه الخصوصية نعرف ان الله خص نبيه (ص) بالعبودية المطلقة لذاته المقدسة ولذا اوحى اليه ما اوحى ((فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى))، ولو لم يكن عبدا لائقا لما ارتقى الى رتبة الرسالة، ولذا نحن المسلمين نشهد له بالعبودية ثم نشهد له بالرسالة فنقول (اشهد ان محمدا عبده ورسوله)، وهذه الحقيقة لم يعرفها غير الامام علي (ع)، لقوله (ص) (يا علي ما عرف الله حق معرفته غيري وغيرك، وما عرفك حق معرفتك غير الله وغيري).

2- العلم المطلق ((وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)) هذا العلم الذي لا يمكن ان تحد اغواره وتعرف حقيقته، علم مصدره الله سبحانه وتعالى، علم لا يتسرب اليه الشك والخطأ والسهو والنسيان والاشتباه، علم مصدره اليقين والقطع، لا كما يذهب اليه البعض حيث يقول: ان النبي كان يبعث السرايا عن اجتهاد، ولا ضير ان يخالفه من يخالفه.

وهذا العلم في حقيقة وجوهره انتقل من بعده الى علي بن ابي طالب (ع) الذي قال (علمني رسول الله (ص) الف باب يفتح الف باب) وقوله (ع) (سلوني قبل ان تفقدوني)، وهذا العلم انتقل الى اولاده (ع) من بعده (نحن نرث العلم صاغر عن كابر).

3- الطهارة من كل رجس ودنس لقوله تعالى ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)).

ونعني بالطهارة انه مطهر من دنس الفكر والسلوك ومن كل رجس وشرك فهو معصوم عن كل ذلك (اَشهَدُ اَنَّكَ طُهرٌ طاهِرٌ مُطَهَّرٌ مِن طُهر طاهِر مُطَهَّر, طَهُرتَ وَطَهُرَت بِكَ البِلادُ وَطَهُرَت اَرضٌ اَنتَ بِها وَطَهُرَ حَرَمُكَ…) لان الشرك لا يجري في عروق الانبياء ابدا، لذا فالقران يشهد ببراءته من كل خيانة وفحشاء وظلم، وانه مصون من الاستجابة لشهواته الهابطة ونزواته العابرة ومثله كان اهل بيته (ع).

واي شهادة ارقى من هذه الشهادة، انها شهادة الله له ولاهل بيته بالارادة التكوينية باذهاب كل سوء ورجس عنهم، ولذا نرى القران لم يكتفي بقوله ويطهركم بل قال ((تطهيرا)) فذكر المفعول المطلق ليؤكد الامر على طهارة رسول الله واهل بيته (ع) وانهم مطهرون في الفكر والسلوك وحتى في النوايا، فلا يفكرون بالسوء والرجس بكل انواعه من الرذيلة والخيانة والفحشاء والظلم، حيث لا يقترب الرجس من ساحة محمد واله محمد (ص).

4- العبادة لقوله تعالى ((إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ)) حيث كان (ص) هو الشخصية الكاملة في العبادة ، حتى يقول المؤرخون عنه (صَلَّى حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ ، فَقِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قَالَ : أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا )، وقوله تعالى ((طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)).

وهكذا شابهه اهل بيته في العبادة وفي مقدمتهم علي (ع) حليف المحراب وذلك بما تركه من الاثار الناصعة في ادعيته المباركة كدعاء كميل ودعاء الصباح والصحيفة العلوية وكذلك ما تركه ولده الامام زين العابدين (ع) في صحيفته السجادية.

5- الاخلاق لقوله تعالى ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) وقال (ص) (انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق) ما قال لاسس الاخلاق لان الاخلاق فطرية موجودة عند البشر وانما قال (ص) لاتمم، اي جاء ليكمل الاخلاق الفطرية الموجودة في صميم الانسان.

ان اهم عنصر لنجاح رسول الله (ص) في دعوته هي الاخلاق رغم انه كان يملك (القران المعجزة الخالدة) وكونه (المعصوم) و(الانسان المثالي)، فبرغم كل هذا فان اهم عنصر لنجاح دعوته (ص) هو عنصر الاخلاق، بشهادة القران ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ)) فخشونة الصحراء كانت يجب ان تقابل بنعومة النبي (ص) ومرونته، فاخلاقه كانت هي المعجزة.

وبهذه الاخلاق المحمدية حقق النبي (ص) انجازا مذهلا وحوّل الامة من الحالة الوثنية الى خير امة اخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، والغريب ان هذه النقلة والمتغيرات في حركة الشعوب والامم تحتاج الى مئات السنين، ولكن الاصلاح الذي انتهجه الرسول (ص) وبتسديد الهي استطاع ان يخرق تلك المراحل في غضون 23 سنة، وان يحقق ما كان يصبو اليه حتى وصل الى عام الفتح في السنة الاخيرة من حياته ((إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً)) حيث بدأت الناس تدخل افواجا وانكسرت السدود وانفتحت القلوب وتجذرت الثقة مع قطاعات المجتمع الواسع وتحقق النصر المبين والفتح على يد رسول الله (ص) خاتم الانبياء والمرسلين، هذا ومن المحزن والمؤسف وبعد مضي اكثر من اربعة عشر قرنا على وفاة النبي (ص) نرى شريحة كبيرة من المسلمين يعيشون حالة البعد عن روح الرسالة وجوهرها، وبدل ان تعيش الوحدة والالفة والاخوة تعيش الفرقة والاختلاف فيما بينها، وبدل ان تعيش القوة في التمسك بمبادئها وقيمها تعيش الضعف والوهن في سجودهم وركوعهم على ابواب الاعداء يتستجدون منهم المساعدة والعون، وبدل ان تسود فيما بينها الرحمة والعزة التي جعلها لله للمؤمنين ((ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)) اصبحت تعيش الشدة والغلظة على بعضها البعض، عكس ما كان عليه رسول الله (ص) واصحابه ((مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)).

ولذلك اصبحوا اليوم مصداقا لما تنبأ به النبي (ص) بقوله (يوشك ان تتداعى عليكم الامم كتداعي الاكلة على قصعتها, فقيل يارسول الله اومن قلة فينا قال لا بل انتم يومئذ كثير ولكن من حبكم الدنيا وكراهيتكم الآخرة).

هذا، ومضافا الى الصفات التي ذكرناها ، فقد منحه المولى سبحانه وتعالى اربعة اوسمة ذكرها القران:

1- انه الشفيع الاكبر يوم الجزاء ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)). فقد دخل النبي (ص) على فاطمة عليها كساء من ثلة الابل وهي تطحن بيدها وترضع ولدها فدمعت عينا رسول الله (ص) لما أبصرها فقال يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الاخرة فقد أنزل الله تعالى علي ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى))، يقول الامام الصادق (ع) (رضا جدي أن لا يدخل النار موحد) ، فالنبي هو الشفيع الاكبر.

2- إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)). فقد وعد الله نبيه (ص) وذلك امتدادا لجوده المادي لقوله ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)) فابناؤه اليوم اللذين يتجاوز عددهم الملايين في الدنيا هم المصداق الامثل لقوله ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)).

3- انه وسيلتنا الى الله ((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً)). فالمسلمون من البدء وحتى اليوم كانوا يزورون قبر النبي (ص) ويتوسلون بقبره الى الله لتقضى حوائجهم للدنيا والاخرة ولا يهمنا قول من قال خلاف ذلك.

4- سمو الذكر ((وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)). فرغم كيد الاعداء بقي وسيبقى اسم محمد يتالق في الدنيا وقد حاول الامويون واتباعهم من المستشرقين والمرتدين ان يحطوا من قدر النبي (ص) ومن شخصيته ولكن ابى الله الا ان يتم نوره فقال ((وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)).

فسلام الله عليك ياخاتم الانبياء والمرسلين يوم ولدت ويوم عشت ويوم ارتحلت الى رضوان الله وجنانه ويوم تبعث حيا شافعا ومشفّعا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *